السيد كمال الحيدري
319
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)
والكلام تارةً يقع : في تحديد مسؤوليّة المكلّف تجاه هذه الأقسام مِن المقدّمات ، وأخرى : في تحديد الضابطِ الذي يسيرُ عليه المولى في جعل المقدّمةِ مِن هذا القسم أو ذاك . أمّا تحديدُ مسؤوليّةِ المكلّفِ تجاهَ المقدّماتِ فحاصله : أنّ الوجوبَ - وكذلك كلُّ طلب - لا يكونُ محرّكاً نحو المقدّماتِ الوجوبيّة ، ولا مديناً للمكلّف بها ؛ لأنّه لا يوجد إلّا بعد تحقُّقِها ، فكيف يكونُ باعثاً على إيجادها ، وإنّما يكونُ محرّكاً نحو المقدّماتِ الوجوديّةِ بكلا قسميها ؛ لأنّه فعليٌّ قبلَ وجودِها فيحرِّكُ - لا محالةَ - نحوَ إيجادِها ؛ تبعاً لتحريكِه نحوَ متعلّقِه ، بمعنى : أنّ المكلّف مسؤولٌ عقلًا مِن قِبل ذلك التكليفِ عن إيجادِ تلك المقدّمات . وهذا التحريكُ يبدأُ مِن حينِ فعليّةِ التكليفِ المجعولِ . فقَبلَ أن يُصبحَ التكليفُ فعليّاً ، لا محركيّةَ له نحو المقدّمات ؛ تبعاً لعدم محرّكيّتِه نحوَ متعلّقه ؛ لأنّ المحرّكيّةَ من شؤونِ الفعليّة . وإذا اتّفقَ أنّ قيداً ما كان مقدّمةً وجوبيّةً ووجوديّةً معاً ، امتنعَ تحريكُ التكليفِ نحوَه ؛ لتفرُّعِه على وجوده ، وإنّما يكونُ محرّكاً - بعد وجود ذلك القيْد - نحو التقيّد . وإيقاعِ الفعلِ مقيّداً به . وأمّا تحديدُ الضابط الذي يسير عليه المولى ، فهو أنّ كلَّ ما كانَ مِن شروطِ الاتّصافِ في مرحلةِ الملاكِ فيأخذُه قيداً للوجوبِ لا للواجب ، فيصبحُ مقدّمةَ وجوبيّة . والوجهُ في ذلك واضحٌ ؛ لأنّه لمّا كان شرطاً في الاتّصاف ، فلا يهتمُّ المولى بتحصيله ، بينما لو جعلَه قيداً للواجب وكان الوجوبُ فعليّاً قبلَه ، لأصبح مقدّمةً وجوديّة ، ولكان التكليفُ محرّكاً نحوَ تحصيلهِ ، فيتعيّنُ جعلُه